يرى محمد العيشي في هذا التقرير أن القاهرة صعّدت تحركها الدبلوماسي في الأيام الأخيرة مع اتساع التوتر الناتج عن الحرب المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فسعى عبد الفتاح السيسي إلى إظهار تضامن أوضح مع دول الخليج، مع الحرص في الوقت نفسه على تفادي انزلاق مصر إلى مواجهة مباشرة لا تملك أدواتها كاملة. ويعكس هذا التحرك رغبة مصرية في البقاء داخل المشهد الإقليمي وعدم الغياب عن لحظة يعاد فيها رسم توازنات المنطقة.
ويعرض يورونيوز هذا المسار بوصفه محاولة مصرية لاحتواء تداعيات الحرب لا لقيادة المشهد. فقد زار السيسي الإمارات وقطر، وأكد خلال اتصالاته أن أمن الخليج جزء من أمن مصر، بينما أدانت القاهرة الضربات الإيرانية التي وصفتها بأنها غير مقبولة وغير مبررة. وفي الوقت نفسه، أبقت مصر قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف إقليمية ودولية، وبينها إيران، في مسعى يركّز على التهدئة أكثر مما يراهن على صناعة اختراق سياسي كبير.
تحرك دبلوماسي تحت ضغط التصعيد
تكشف جولات السيسي واتصالاته الأخيرة عن قراءة مصرية تعتبر أن التصعيد لم يعد محصورًا في تبادل الرسائل العسكرية، بل اقترب من البنية الحيوية للطاقة، بما يهدد بانفجار أوسع في الإقليم. لذلك حرصت القاهرة على إظهار اصطفاف سياسي مع العواصم الخليجية التي تعرضت لهجمات، وأرادت أن توصل رسالة مفادها أن استقرار تلك الدول لا ينفصل عن استقرار مصر.
وفي السياق نفسه، واصل وزير الخارجية بدر عبد العاطي جولة في عدد من العواصم الخليجية، ناقلًا رسالة تضامن وتحذير من أن المنطقة تقترب من حافة الانفجار إذا استمرت الحرب. لكن القاهرة، رغم هذا النشاط، شددت على أنها لم تتلق طلبًا لتدخل عسكري، وهو ما يكشف حدود الدور الذي تريد أن تلعبه في هذه المرحلة. فهي تريد أن تحضر دبلوماسيًا من دون أن تتورط ميدانيًا.
التنسيق لا القيادة
يذهب التقرير إلى أن مصر تفضّل أداء دور المنسّق لا القائد. فالقاهرة تتحرك على أكثر من خط: تتواصل مع الخليج، وتحافظ على صلات مع الشركاء الغربيين، وتبقي نافذة ضيقة مع إيران. غير أن هذا كله لا يعني أنها تمسك بمفاتيح الوساطة الفعلية بين طهران وتل أبيب أو بين إيران وواشنطن.
ويستند التقرير إلى تقدير الباحث ه. أ. هلير، الذي يرى أن زيارة الدوحة تكشف رغبة مصر في التنسيق مع الخليج بدل التحرك منفردة. كما يصف هذا النهج بأنه “انخراط تكتيكي”، تبقي عبره القاهرة موطئ قدم في الدبلوماسية الإقليمية من غير أن تتعهد بما يفوق قدرتها. ووفق هذا التقييم، لا تملك مصر أوراق ضغط كافية تسمح لها بوساطة مؤثرة بين إسرائيل وإيران، لكنها تستطيع أن تسهّل التنسيق العربي وتنقل الرسائل بين الأطراف.
ومن هنا، لا يتجاوز الدور المصري، في نظر التقرير، حدود جمع الأطراف العربية حول فهم مشترك للمخاطر، مع السعي إلى احتواء الأزمة سياسيًا. أي إن القاهرة تؤدي وظيفة نافعة في ترتيب المواقف، لكنها لا تدفع وحدها نحو مخرجات حاسمة.
توازن حذر بين الخليج وإيران
يعكس الموقف المصري، كما يقدمه التقرير، محاولة دقيقة للموازنة بين التزامات متعارضة. فمن جهة، أدانت القاهرة الهجمات على أراضي دول الخليج، وأكدت وقوفها إلى جانب أمن حلفائها العرب. ومن جهة أخرى، تجنبت فتح جبهة خطابية أو سياسية مباشرة مع إيران، وفضّلت الدعوة إلى العودة للمسار الدبلوماسي مع الإبقاء على قنوات الاتصال.
ويفسر التقرير هذا النهج باعتباره جزءًا من مقاربة إقليمية أوسع تحاول الحد من النار من دون الدخول في قلبها. فدول المنطقة، وفق هذا المنطق، تريد تجنب توسع الحرب، لكنها لا تريد أيضًا أن تبدو غائبة أو مترددة أمام التهديدات. لذلك رحبت دول الخليج، على الأرجح، بالموقف المصري لأنه يعزز ما يمكن وصفه بميل عربي إلى التحوط: حضور سياسي واضح، لكن مع تجنب المخاطر الكبرى.
أما إسرائيل، فيرجح التقرير أنها تنظر إلى الدور المصري بوصفه إجرائيًا أكثر منه جوهريًا، بينما لا تبدو إيران مقتنعة بأن القاهرة وسيط قادر على التأثير في الحسابات الأساسية. ولهذا يخلص النص إلى أن مصر تدير الانطباعات وتشارك في احتواء المشهد، لكنها لا تصوغ نتائجه النهائية.
في المحصلة، تكثف القاهرة دبلوماسيتها لأنها تدرك أن الحرب الجارية تعيد تشكيل المنطقة بسرعة، وأن الغياب عن هذه اللحظة مكلف سياسيًا. لكنها تدرك أيضًا أن الفاعلية لا تعني بالضرورة الاندفاع، ولذلك تختار التحرك المحسوب: حضور نشط، اصطفاف عربي واضح، وخطوط اتصال مفتوحة، من دون تجاوز السقف الذي تتيحه موازين القوة الحالية.
https://www.euronews.com/2026/03/21/egypt-intensifies-diplomacy-as-iran-war-reshapes-regional-tensions

